ahmed almghamsi
02 / 02 / 2008, 17 : 02 PM
> ورقة صغيرة
>
> كُتبت بخطٍ غير واضح ، تمكنت من قراءتها بصعوبة بالغة ... مكتوب بها
>
> فضيلة الشيخ : هل لديك قصة عن أصحاب أو أخوان ... أثابك الله ...
>
> كانت صيغة السؤال غير واضحة ، والخط غير جيد...
>
> سألت صديقي : ماذا يقصد بهذا السؤال ؟
>
> وضعتها جانباً ، بعد أن قررت عدم قراءتها على الشيخ ...
>
> ومضى الشيخ يتحدث في محاضرته والوقت يمضي ...
>
> أذن المؤذن لصلاة العشاء ...
>
> توقفت المحاضرة ، وبعد الآذان عاد الشيخ يشرح للحاضرين ، طريقة تغسيل وتكفين
> الميت عملياً ...
>
> وبعدها قمنا لآداء صلاة العشاء ...
>
> وأثناء ذلك أعطيت أوراق الأسئلة للشيخ ومنحته تلك الورقة التي قررت أن استبعدها
> ، ظننت أن المحاضرة قد انتهت ...
>
> وبعد الصلاة طلب الحضور من الشيخ أن يجيب على الأسئلة ...
>
> عاد يتحدث وعاد الناس يستمعون ...
>
> ومضى السؤال الأول والثاني والثالث ...
>
> هممت بالخروج ، استوقفني صوت الشيخ وهو يقرأ السؤال ...
>
> قلت : لن يجيب فالسؤال غير واضح ...
>
> لكن الشيخ صمت لحظة ثم عاد يتحدث ...
>
>
>
> جاءني في يوم من الأيام جنازة لشاب لم يبلغ الأربعين ، ومع الشاب مجموعة من
> أقاربه ، لفت انتباهي ، شاب في مثل سن الميت يبكي بحرقة ، شاركني الغسيل ، وهو
> بين خنين ونشيج وبكاء رهيب يحاول كتمانه ، أما دموعه فكانت تجري بلا انقطاع ...
>
> وبين لحظةٍ وأخرى أصبره وأذكره بعظم أجر الصبر ...
>
> ولسانه لايتوقف عن قول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لاحول ولاقوة إلا بالله
> ....
>
> هذه الكلمات كانت تريحني قليلاً ...
>
> بكاؤه أفقدني التركيز ، هتفت به بالشاب ...
>
> - إن الله أرحم بأخيك منك ، وعليك بالصبر
>
> التفت نحوي وقال : إنه ليس أخي
>
> ألجمتني المفاجأة ، مستحيل ، وهذا البكاء وهذا النحيب
>
> - نعم إنه ليس أخي ، لكنه أغلى وأعز أليّ من أخي ...
>
> سكت ورحت أنظر إليه بتعجب ، بينما واصل حديثه ....
>
> - إنه صديق الطفولة ، زميل الدراسة ، نجلس معاً في الصف وفي ساحة المدرسة ،
> ونلعب سوياً في الحارة ، تجمعنا براءة الأطفال مرحهم ولهوهم ...
>
> - كبرنا وكبرت العلاقة بيننا ، أصبحنا لا نفترق إلا دقائق معدودة ، ثم نعود
> لنلتقي ، تخرجنا من المرحلة الثانوية ثم الجامعة معاً ...
>
> التحقنا بعمل واحد ...
>
> تزوجنا أختين ، وسكنا في شقتين متقابلتين ...
>
> رزقني الله بابن وبنت ، وهو أيضاً رُزق ببنت وابن ...
>
> عشنا معاً أفراحنا وأحزاننا ، يزيد الفرح عندما يجمعنا ، وتنتهي الأحزان عندما
> نلتقي ...
>
> اشتركنا في الطعام والشراب والسيارة ...
>
> نذهب سوياً ونعود سوياً ...
>
> واليوم ... توقفت الكلمة على شفتيه وأجهش بالبكاء ...
>
> - يا شيخ هل يوجد في الدنيا مثلنا ...
>
> خنقتني العبرة ، تذكرت أخي البعيد عني ، لا .. لا يوجد مثلكما ..
>
> أخذت أردد ، سبحان الله ، سبحان الله ، وأبكي رثاء لحاله ...
>
> أنتهيت من غسله ، وأقبل ذلك الشاب يقبله ...
>
> لقد كان المشهد مؤثراً ، فقد كان ينشق من شدة البكاء ، حتى ظننت أنه سيهلك في
> تلك اللحظة ...
>
> راح يقبل وجهه ورأسه ، ويبلله بدموعه ...
>
> أمسك به الحاضرون وأخرجوه لكي نصلي عليه ...
>
> وبعد الصلاة توجهنا بالجنازة إلى المقبرة ...
>
> أما الشاب فقد أحاط به أقاربه ...
>
> فكانت جنازة تحمل على الأكتاف ، وهو جنازة تدب على الأرض دبيباً ...
>
> وعند القبر وقف باكياً ، يسنده بعض أقاربه ...
>
> سكن قليلاً ، وقام يدعو ، ويدعو ...
>
> انصرف الجميع ...
>
> عدت إلى المنزل وبي من الحزن العظيم ما لا يعلمه إلا الله ، وتقف عنده الكلمات
> عاجزة عن التعبير ...
>
> وفي اليوم الثاني وبعد صلاة العصر ، حضرت جنازة لشاب ، أخذت اتأملها ، الوجه
> ليس غريب ، شعرت بأنني أعرفه ، ولكن أين شاهدته ...
>
> نظرت إلى الأب المكلوم ، هذا الوجه أعرفه ...
>
> تقاطر الدمع على خديه ، وانطلق الصوت حزيناً ...
>
> يا شيخ لقد كان بالأمس مع صديقه ...
>
> يا شيخ بالأمس كان يناول المقص والكفن ، يقلب صديقه ، يمسك بيده ، بالأمس كان
> يبكي فراق صديق طفولته وشبابه ، ثم انخرط في البكاء ...
>
> انقشع الحجاب ، تذكرته ، تذكرت بكاءه ونحيبه ...
>
> رددت بصوت مرتفع :كيف مات ؟
>
> - عرضت زوجته عليه الطعام ، فلم يقدر على تناوله ، قرر أن ينام ، وعند صلاة
> العصر جاءت لتوقظه فوجدته ، وهنا سكت الأب ومسح دمعاً تحدر على خديه ، رحمه
> الله لم يتحمل الصدمة في وفاة صديقه ، وأخذ يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون
> ....
>
> - إنا لله وإنا إليه راجعون ، اصبر واحتسب ، اسأل الله أن يجمعه مع رفيقه في
> الجنة ، يوم أن ينادي الجبار عز وجل : أين المتحابين فيِّ اليوم أظلهم في ظلي
> يوم لاظل إلا ظلي ...
>
> قمت بتغسيله ، وتكفينه ، ثم صلينا عليه ...
>
> توجهنا بالجنازة إلى القبر ، وهناك كانت المفاجأة ...
>
> لقد وجدنا القبر المجاور لقبر صديقه فارغاً ...
>
> قلت في نفسي مستحيل : منذ الأمس لم تأت جنازة ، لم يحدث هذا من قبل ...
>
> أنزلناه في قبره ، وضعت يدي على الجدار الذي يفصل بينهما ، وأنا أردد ، يالها
> من قصة عجيبة ، اجتمعا في الحياة صغاراً وكباراً ، وجمعت القبور بينهما أمواتاً
> ....
>
> خرجت من القبر ووقفت ادعو لهما : اللهم أغفر لهما وأرحمهما ، اللهم واجمع
> بينهما في جنات النعيم على سرر متقابلين ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ومسحت
> دمعة جرت ، ثم انطلقت أعزي أقاربهما ...
>
> انتهى الشيخ من الحديث ، وأنا واقف قد أصابني الذهول ، وتملكتني الدهشة ، لا
> إله إلا الله ، سبحان الله ، وحمدت الله أن الورقة وصلت للشيخ وسمعت هذه القصة
> المثيرة ، والتي لو حدثني بها أحد لما صدقتها ...
>
> وأخذت ادعو لهما بالرحمة والمغفرة
>
> اللهم أجمعني بأصدقائي وإخواني في الدنيا ولا تحرمني من لقياهم في الجنة
>
> يا أرحم الراحمين
>
> كُتبت بخطٍ غير واضح ، تمكنت من قراءتها بصعوبة بالغة ... مكتوب بها
>
> فضيلة الشيخ : هل لديك قصة عن أصحاب أو أخوان ... أثابك الله ...
>
> كانت صيغة السؤال غير واضحة ، والخط غير جيد...
>
> سألت صديقي : ماذا يقصد بهذا السؤال ؟
>
> وضعتها جانباً ، بعد أن قررت عدم قراءتها على الشيخ ...
>
> ومضى الشيخ يتحدث في محاضرته والوقت يمضي ...
>
> أذن المؤذن لصلاة العشاء ...
>
> توقفت المحاضرة ، وبعد الآذان عاد الشيخ يشرح للحاضرين ، طريقة تغسيل وتكفين
> الميت عملياً ...
>
> وبعدها قمنا لآداء صلاة العشاء ...
>
> وأثناء ذلك أعطيت أوراق الأسئلة للشيخ ومنحته تلك الورقة التي قررت أن استبعدها
> ، ظننت أن المحاضرة قد انتهت ...
>
> وبعد الصلاة طلب الحضور من الشيخ أن يجيب على الأسئلة ...
>
> عاد يتحدث وعاد الناس يستمعون ...
>
> ومضى السؤال الأول والثاني والثالث ...
>
> هممت بالخروج ، استوقفني صوت الشيخ وهو يقرأ السؤال ...
>
> قلت : لن يجيب فالسؤال غير واضح ...
>
> لكن الشيخ صمت لحظة ثم عاد يتحدث ...
>
>
>
> جاءني في يوم من الأيام جنازة لشاب لم يبلغ الأربعين ، ومع الشاب مجموعة من
> أقاربه ، لفت انتباهي ، شاب في مثل سن الميت يبكي بحرقة ، شاركني الغسيل ، وهو
> بين خنين ونشيج وبكاء رهيب يحاول كتمانه ، أما دموعه فكانت تجري بلا انقطاع ...
>
> وبين لحظةٍ وأخرى أصبره وأذكره بعظم أجر الصبر ...
>
> ولسانه لايتوقف عن قول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لاحول ولاقوة إلا بالله
> ....
>
> هذه الكلمات كانت تريحني قليلاً ...
>
> بكاؤه أفقدني التركيز ، هتفت به بالشاب ...
>
> - إن الله أرحم بأخيك منك ، وعليك بالصبر
>
> التفت نحوي وقال : إنه ليس أخي
>
> ألجمتني المفاجأة ، مستحيل ، وهذا البكاء وهذا النحيب
>
> - نعم إنه ليس أخي ، لكنه أغلى وأعز أليّ من أخي ...
>
> سكت ورحت أنظر إليه بتعجب ، بينما واصل حديثه ....
>
> - إنه صديق الطفولة ، زميل الدراسة ، نجلس معاً في الصف وفي ساحة المدرسة ،
> ونلعب سوياً في الحارة ، تجمعنا براءة الأطفال مرحهم ولهوهم ...
>
> - كبرنا وكبرت العلاقة بيننا ، أصبحنا لا نفترق إلا دقائق معدودة ، ثم نعود
> لنلتقي ، تخرجنا من المرحلة الثانوية ثم الجامعة معاً ...
>
> التحقنا بعمل واحد ...
>
> تزوجنا أختين ، وسكنا في شقتين متقابلتين ...
>
> رزقني الله بابن وبنت ، وهو أيضاً رُزق ببنت وابن ...
>
> عشنا معاً أفراحنا وأحزاننا ، يزيد الفرح عندما يجمعنا ، وتنتهي الأحزان عندما
> نلتقي ...
>
> اشتركنا في الطعام والشراب والسيارة ...
>
> نذهب سوياً ونعود سوياً ...
>
> واليوم ... توقفت الكلمة على شفتيه وأجهش بالبكاء ...
>
> - يا شيخ هل يوجد في الدنيا مثلنا ...
>
> خنقتني العبرة ، تذكرت أخي البعيد عني ، لا .. لا يوجد مثلكما ..
>
> أخذت أردد ، سبحان الله ، سبحان الله ، وأبكي رثاء لحاله ...
>
> أنتهيت من غسله ، وأقبل ذلك الشاب يقبله ...
>
> لقد كان المشهد مؤثراً ، فقد كان ينشق من شدة البكاء ، حتى ظننت أنه سيهلك في
> تلك اللحظة ...
>
> راح يقبل وجهه ورأسه ، ويبلله بدموعه ...
>
> أمسك به الحاضرون وأخرجوه لكي نصلي عليه ...
>
> وبعد الصلاة توجهنا بالجنازة إلى المقبرة ...
>
> أما الشاب فقد أحاط به أقاربه ...
>
> فكانت جنازة تحمل على الأكتاف ، وهو جنازة تدب على الأرض دبيباً ...
>
> وعند القبر وقف باكياً ، يسنده بعض أقاربه ...
>
> سكن قليلاً ، وقام يدعو ، ويدعو ...
>
> انصرف الجميع ...
>
> عدت إلى المنزل وبي من الحزن العظيم ما لا يعلمه إلا الله ، وتقف عنده الكلمات
> عاجزة عن التعبير ...
>
> وفي اليوم الثاني وبعد صلاة العصر ، حضرت جنازة لشاب ، أخذت اتأملها ، الوجه
> ليس غريب ، شعرت بأنني أعرفه ، ولكن أين شاهدته ...
>
> نظرت إلى الأب المكلوم ، هذا الوجه أعرفه ...
>
> تقاطر الدمع على خديه ، وانطلق الصوت حزيناً ...
>
> يا شيخ لقد كان بالأمس مع صديقه ...
>
> يا شيخ بالأمس كان يناول المقص والكفن ، يقلب صديقه ، يمسك بيده ، بالأمس كان
> يبكي فراق صديق طفولته وشبابه ، ثم انخرط في البكاء ...
>
> انقشع الحجاب ، تذكرته ، تذكرت بكاءه ونحيبه ...
>
> رددت بصوت مرتفع :كيف مات ؟
>
> - عرضت زوجته عليه الطعام ، فلم يقدر على تناوله ، قرر أن ينام ، وعند صلاة
> العصر جاءت لتوقظه فوجدته ، وهنا سكت الأب ومسح دمعاً تحدر على خديه ، رحمه
> الله لم يتحمل الصدمة في وفاة صديقه ، وأخذ يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون
> ....
>
> - إنا لله وإنا إليه راجعون ، اصبر واحتسب ، اسأل الله أن يجمعه مع رفيقه في
> الجنة ، يوم أن ينادي الجبار عز وجل : أين المتحابين فيِّ اليوم أظلهم في ظلي
> يوم لاظل إلا ظلي ...
>
> قمت بتغسيله ، وتكفينه ، ثم صلينا عليه ...
>
> توجهنا بالجنازة إلى القبر ، وهناك كانت المفاجأة ...
>
> لقد وجدنا القبر المجاور لقبر صديقه فارغاً ...
>
> قلت في نفسي مستحيل : منذ الأمس لم تأت جنازة ، لم يحدث هذا من قبل ...
>
> أنزلناه في قبره ، وضعت يدي على الجدار الذي يفصل بينهما ، وأنا أردد ، يالها
> من قصة عجيبة ، اجتمعا في الحياة صغاراً وكباراً ، وجمعت القبور بينهما أمواتاً
> ....
>
> خرجت من القبر ووقفت ادعو لهما : اللهم أغفر لهما وأرحمهما ، اللهم واجمع
> بينهما في جنات النعيم على سرر متقابلين ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ومسحت
> دمعة جرت ، ثم انطلقت أعزي أقاربهما ...
>
> انتهى الشيخ من الحديث ، وأنا واقف قد أصابني الذهول ، وتملكتني الدهشة ، لا
> إله إلا الله ، سبحان الله ، وحمدت الله أن الورقة وصلت للشيخ وسمعت هذه القصة
> المثيرة ، والتي لو حدثني بها أحد لما صدقتها ...
>
> وأخذت ادعو لهما بالرحمة والمغفرة
>
> اللهم أجمعني بأصدقائي وإخواني في الدنيا ولا تحرمني من لقياهم في الجنة
>
> يا أرحم الراحمين